

أنا جورب الجميلة المنسي في غياهب الدرج ، ذاك أنها تقول أنها كانت دوما تشعر بأننا ثقل علی قدميها، خاصة بعد أن تمشي بنا بضعة خطوات في غرفتها التي تتقن صبغ البيض منا بالاسود وتحيل السود منا بيضًا! كانت تشعر أننا نمنع الهواء عن قدميها، ونسلبهما حرية البرد أو الشعور بالحر، بل وقد نتعدی ذلك إلی أن نحرمهما من الاتحاد مع “الأم الأرض”..ورغم أنهما كبرتا حتی تجاوزتا “أنوثتهما” المسموح بها، وصار صعبا عليها أن تجد لهما حذاء -خاصة ذاك الذي يطقطق كما “بابوج” غوار والذي ترتديه النساء في الحفلات- مناسبا لمقاسهما “الرجولي” علی حد قول بائع الأحذية الذي اقترح عليها -متهكما- أن تقتني من أحذية الرجال، إذ رأی أنها ربما تليق بها أكثر من الكعب العالي الذي -في الحقيقة- لم تكن تعرف أصلا كيفية المشي فيه دون التزحلق. رغم كل هذا، لم تشعر أبدا أن قدميها أصبحتا ثقلا، ولم تشعر بإهانة لأنوثتها سببتها قدماها ولا كلام البائع، رغم أنها وضعت في كل ساق عدة خلاخيل، بكل الألوان، الأشكال والأحجام، وحين تنظر إليها من الأسفل، أقصد كجورب، كانت ساقها تبدو علّاقة، أو ربما دمية كبيرة محاطة بجدران ملونة تطقطق وتصدر ضجة أعلی وأجمل من تلك التي يصدرها ذاك الحذاء الأخرق، وكانت تحب خلاخيلها أكثر منا -نحن الجوارب- رغم أنها كانت تروي لمرآتها كيف تری في مناماتها البشعة دوما، خلاخيلها كأنها أصفاد وهي مقتادة إلی مقصلة..
رغم أنف كوابيسها وصوت خلاخيلها إذ تمشي ويلتفتون جميعا إليها، لم تشعر أن قدميها أصبحتا ثقلا ولو للحظة..
ذات مرة تجرأت علی البوح لمرآتها بسرها الكبير، ذاك أنها تحلم -ويحها كيف سولت لها روحها مثل هذا الحلم، بل كيف تحلم أصلا- أن ترقص بأقدامها هذه الفلامينكو، أو أن ترقص علی وقع موسيقی زوربا ذات مرة في الشارع وسط أشخاص لا تعرفهم، لا يعرفونها ولا أحد منهم يهتم بمعرفة شيء عن الآخر سوی أنهم جميعا يعيشون حالة فرح، أو حالة حزن يعبرون عنها كما زوربا اليوناني.. بل وحلمت أيضا بالغناء، بصوت عال يكسر صمت من حولها، يبوح بما يسكنها، قالت إنها ستفرح لمجرد أن تغني هكذا، حلمت أن يفرح أحد لفرحها، دون مساءلات: لماذا تمارسين فرحك هنا؟ لماذا تنغصين علی غيرك حزنه بسعادتك؟ لماذا تذكرين كل المجتمع المقيد بقيوده في انطلاقك وحريتك؟ لماذا تعكسين في صفائك أفكاره البالية التي يرتديها منذ قرون؟
لم تشكل قدماها الحافيتان معظم الوقت ثقلا في أحلام يقظتها، تلك التي تملك فيها كامل السيطرة علی ما يجري، وحدها مناماتها كانت تقلقها، مرة حلمت أنها أجبرت علی المشي إلی عزاء من تكره حافية طول طريقها من الحفل في بيت من تحب، يومها استيقظت ورأت آثار دموع علی وجنتيها، هكذا قالت المرآة..
لم يستطع شيء جعلها تشعر بالثقل في قدميها، فحتی عندما جاءت الخطابة لمعاينتها، رأت قدميها الكبيرتين، تعلوهما أغلال ملونة، بنطال “الجينز” الواسع والكنزة السوداء، رغم التصاقها بجسدها الجميل، الشعر المنسدل بعفوية علی كتفيها، ووجهها الحسن المتروك دون أقنعة تجميل قالت لأمها: أبحث لابني عن عروس، لا شريك سكن! ثم غادرت، يومها رفع أخوها قدميها لأبيه لينهال عليهما بعصا تكسرت: كيف ضيعت عريسا كذاك العريس؟ أمر أخاها بإحضار سكين، قطع كل خلاخيلها ورماها. تورمت قدماها يومذاك، ورغم هذا لم تشعر بأي ثقل..

Leave a Reply
You must be logged in to post a comment.